وهبة الزحيلي

1910

التفسير الوسيط

أن تكون من أهل الصلاح والإصلاح الذين يفصلون في خصومات الناس بالحسنى والحكمة ، والموضوعية ، والرّوية ، حتى ولو كان أحد الخصوم من ذوي القربى أو العشيرة . فأنفذ فرعون إلى موسى من يطلبه من جنده ، ويأتي به للقتل ، فخرج موسى إلى الطريق الأعظم ، أي الشارع العام ، فجاءه رجل ، يسرع في مشيه ، يقال : إنه مؤمن آل فرعون ، ويقال : إنه غيره ، في إحدى الطرق الصغيرة ، المتشعبة من الطرق الكبيرة ، ليصل بسرعة إلى موسى عليه السّلام ، وليخفي أمره ، حتى لا يعرف أحد أنه يريد إبلاغ موسى بالخبر ، وقد جاء هذا الرجل الناصح من أبعد مكان في المدينة ، فقال : يا موسى ، إن فرعون وملأه : أشراف دولته وكبار حاشيته ، يتآمرون ويتشاورون في أمرك ، وتدبير مكيدة أو مؤامرة قتلك ، فأخرج بسرعة من البلد ، إني لك ناصح أمين . فخرج موسى عليه السّلام من مدينة فرعون خائفا على نفسه ، يتلفّت ويترقّب متابعة أحد له ، وأفلت من القوم ، فلم يجدوه ، وخرج في حال فزعه إلى طريق مدين ، وهي مدينة قوم شعيب عليه السّلام ، وكان موسى عليه السّلام لا يعرف ذلك الطريق ، ولم يصحب أحدا ، فسار واثقا بالله تعالى ، ومتوكّلا عليه ، وقال في هذه المحنة العصيبة : يا ربّ ، نجني من هؤلاء القوم الظالمين : فرعون وملئه ، واحمني من شرّهم وسوئهم ، فاستجاب اللَّه دعاءه ونجاه ووصل إلى مدين آمنا على نفسه ، بفضل اللَّه وإحسانه ، كما جاء في آية أخرى : وقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى [ طه : 20 / 40 ] . وبين مدين ومصر مسيرة ثمانية أيام ، وكان ملك مدين لغير فرعون ، قال السّدّي ومقاتل : روي أن اللَّه تعالى بعث إلى موسى جبريل عليه السّلام ، وقيل : ملكا غيره ،